كانت غزوة بدر هي التجربة الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم، وأول معركة كبيرة في الإسلام، وكانت في السنة الثانية من الهجرة.
علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن قريشا جهزت قافلة تجارية كبيرة إلى الشام تقدر قيمتها بخمسين ألف دينار، واستشار أصحابه بأن يخرج ليعترض هذه القافلة ويأخذها غنيمة عوضاً عما تركه هو وأصحابه من أموال ومتاع في مكة.
ووافق الصحابة على رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج الرسول ومعه ثلاثمائة وأربعة عشر مجاهداً من الصحابة وسبعون بعيراً وفرسان.
وعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن القافلة اتجهت إلى الشام، فعاد إلى المدينة ليعترض القافلة مرة أخرى.
وكان أبو سفيان بن حرب يرأس قافلة قريش وهو رجل ذكي دائم الحذر واليقظة ويعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم يتعقبه ويحاول أن يعترضه.
ورجع أبو سفيان بالقافلة وكله خوف وحذر فهو لا يملك من الرجال إلا أربعين رجلاً لحراسة القافلة.
وخوف أبي سفيان جعله يسأل كل من لقي به من الركبان عن أخبار محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن وجد رجلاً من قبيلة جزام أخبره أن محمداً صلى الله عليه وسلم سيعترض قافلته فازداد خوف أبي سفيان وأرسل رجلاً إلى مكة يخبرهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم اعترض قافلتهم.
ووصل الرجل مكة، وأخذ ينادي على قريش قائلاً: يا معشر قريش!! أموالكم وتجارتكم قد تعرض لها محمد وأصحابه... أنقذوها.. أنقذوها...
وثارت قريش على أموالها وتجارتها وخرجوا لإنقاذها ومعهم تسعمائة رجل مدعمين بالسلاح، ومائة فرس وسبعمائة بعير.
وعلم أبو سفيان أن قريشاً خرجت لتنقذ القافلة وكان هو قد تجاوز مرحلة الخطر فأرسل إليهم يقول: إن الآلهة قد أنجت عيركم فارجعوا فإنه لا حاجة لكم الآن.فقال أبو جهل: لا والله لا نرجع حتى نصل بدراً ونضرب الدفوف ونرقص مع النساء.
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم شيئاً عن أمر القافلة وأبي جهل وكل الذي يعرفه أن قريشاً استعدت لتنقذ القافلة. وإزاء هذا التغير المفاجيْ الذي لم يكن في الحسبان، بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه مرة أخرى في حرب قريش.
وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب مع بعض المسلمين إلى بدر ليعرفوا أخبار القافلة فوجدوا هناك غلامين يستقيان فأمسكوا بهما ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهما الرسول عن أخبار قريش فقالا له: هم وراء هذه الهضبة وأخذ الرسول يسألهم ويتحدث إليهم حتى عرف منهم عدد القوم وقال لأصحابه: هم بين التسعمائة والألف.
والمسلمون ثلاثمائة وأربعة عشر ولا سلاح معهم يكفيهم وهم أيضاً بعيدون عن الماء، ولكن الله أزال عنهم الخوف وأرسل السحاب بمطر غزير ففرحوا بذلك فرحاً شديداً فشربوا وأخذوا ما يكفيهم.
بعد ذلك أشار سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقيم له عريشاً من جريد ليدير منه المعركة وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، وأقيم العريش على تل مرتفع يشرف على المعركة.
وبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم ينظم الصفوف ويعد أصحابه وأوصاهم بلزوم أماكنهم وحثهم على الصبر.
وأعلن الرسول بدء المعركة بقوله: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة".
واخترق صفوف الكفار يقاتلهم ويقتل منهم وثبت في هذه المعركة حتى حقق الله له رغبته في الاستشهاد في سبيله ليفوز بالجنة.
وبدأت المعركة تشتد وملاْ الغبار المكان ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم كثرة المشركين وقلة المسلمين فرفع يده إلى السماء يدعو ربه بقوله: "اللهم إنك أنزلت على الكتاب وأمرتني بالقتال ووعدتني إحدى الطائفتين وأنت لا تخلف الميعاد، اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك (تتحداك) وتكذب رسولك فنصرك الذي وعدتني".
ويستجيب الله دعاء رسوله فيرسل ملائكته من السماء لتنزل أرض المعركة فتثبت قلوب المؤمنين وتقوى روحهم المعنوية ويفرح المسلمون بمدد السماء فتطمئن قلوبهم ويزداد إيمانهم لأن الله معهم يساندهم بملائكته.
وألقى الله الرعب في قلوب الكفار وبدأ المسلمون يقاتلونهم ويضربون أعناقهم في بسالة وبطولة.
وأخذ المسلمين يقتلون ويأسرون من الكفار بعد أن سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: "من أسر أسيراً فهو له".
وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة للكفار وانتصرت الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة الباغية، وبهذا انتصر الحق على الباطل.
وقد قتل من الكفار في هذه المعركة سبعون وأسر منهم سبعون واستشهد من المسلمين أربعة عشر شهيداً.
وظل المسلمون في بدر ثلاثة أيام رجعوا بعدها إلى المدينة مستبشرين بنصر الله.

جبل حطين: هنا وقعت معركة حطين
كانت معركة حطين المباركة على المسلمين في يوم السبت 14 ربيع الآخر سنة 583هـ في وسط نهار الجمعة وكان صلاح الدين كثيرا ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند الصلاة تبركا بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر فسار في ذلك الوقت بمن اجتمع له من العساكر الإسلامية وكانت تجاوز العد والحصر على تعبئة حسنة وهيئة جميلة وكان قد بلغه عن العدو أنه اجتمع في عدة كثيرة بمرج صفورية بعكا عندما بلغهم اجتماع الجيوش الإسلامية فسار ونزل على بحيرة طبريا ثم رحل ونزل على طبريا على سطح الجبل ينتظر هجوم الصليبيين عليه إذا بلغهم نزوله بالموضع المذكور فلم يتحركوا ولا خرجوا من منزلهم وكان نزولهم يوم الأربعاء 21ربيع الآخر فلما رآهم لا يتحركون نزل على طبريا وهاجمها وأخذها في ساعة واحدة وبقيت القلعة محتمية بمن فيها ولما بلغ العدو ما جرى على طبريا قلقوا لذلك ورحلوا نحوها فبلغ السلطان ذلك فترك على طبريا من يحاصر قلعتها ولحق بالعسكر فالتقى بالعدو على سطح جبل طبريا الغربي منها وذلك في يوم الخميس 22 ربيع الآخر وحال الليل بين المعسكرين قياما على مصاف إلى بكرة يوم الجمعة فركب الجيشان وتصادما والتحم القتال واشتد الأمر وذلك بأرض قرية تعرف بلوبيا وضاق الخناق بالعدو وهم سائرون كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون وقد أيقنوا بالويل والثبور وأحست نفوسهم أنهم في غد يومهم ذلك من زوار القبور ولم تزل الحرب تضطرم والفارس مع قرنه يصطدم ولم يبق إلا الظفر ووقع الوبال على من كفر فحال بينهم الليل بظلامه وبات كل واحد من الفريقين في سلاحه إلى صبيحة يوم السبت فطلب كل من الفريقين مقامه وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد العدو وأنهم لا ينجيهم إلا الاجتهاد في الجهاد فحملت جيوش المسلمين من جميع الجوانب وحمل القلب وصاحوا صيحة رجل واحد فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين وكان حقا عليه نصر المؤمنين ولما أحس القوم بالخذلان هرب منهم في أوائل الأمر وقصد جهة صور وتبعه جماعة من المسلمين فنجا منهم وكفى الله شره وأحاط المسلمون بالصليبيين من كل جانب وأطلقوا عليهم السهام وحكموا فيهم السيوف وسقوهم كأس الحمام وانهزمت طائفة منهم فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها أحد واعتصمت طائفة منهم بتل يقال له تل حطين وهي قرية عندها قبر النبي شعيب عليه السلام فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران واشتد بهم العطش وضاق بهم الأمر حتى كانوا يستسلمون للأمر خوفا من القتل لما مر بهم فأسر مقدموهم وقتل الباقون.
وكان ممن سلم من مقدميهم الملك جفري وأخوه والبرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك وابن الهنفري وابن صاحبة طبريا ومقدم الديوية وصاحب جبيل ومقدم الأسبتار.
قال ابن شداد: ولقد حكي لي من أثق به أنه رأى بحوران شخصا واحدا معه نيف وثلاثون أسيرا قد ربطهم بوتد خيمة لما وقع عليهم من الخذلان.
وأما أرناط فان صلاح الدين كان قد نذر أنه إن ظفر به قتله وذلك لأنه كان قد عبر به عند الشوبك قوم من مصر في حال الصلح فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبلغ السلطان فحملته حميته ودينه على أن يهدر دمه .